فخر الدين الرازي
321
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الثواب ، وقوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ فيه وجوه : الأول : أنه قال أولا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم ؟ فقال لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ الثاني : التقدير كأنه قال : وعد اللَّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجر عظيم ، والثالث : أجرى قوله وَعَدَ مجرى قال ، والتقدير : قال اللَّه في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ، والرابع : أن يكون وَعَدَ واقعا على جملة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ أي وعدهم بهذا المجموع . فإن قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى ؟ قلنا : بل الاخبار عن كون هذا الوعد وعد اللَّه أقوى . وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى اللَّه تعالى فقال وَعَدَ اللَّهُ والإله هو الذي يكون قادرا على جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد ، وإما للحاجة ، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزّها عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالا ، فكان الإخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به ، وأيضا فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه / تلك الشدائد ، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند مشاهدة تلك الأهوال . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 10 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار ، لأن قوله أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يفيد الحصر ، والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال : أصحاب الصحراء ، أي الملازمون لها . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجهان : الأول : أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبدا يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، واللَّه تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ وهو المشركون أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والنهب والنفي فكف اللَّه تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون ، ومثل هذا الانعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته . ثم قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي كونوا مواظبين على طاعة اللَّه تعالى ، ولا تخافوا أحدا في إقامة طاعات اللَّه تعالى .